أبل تستعين بمنافستها سامسونج لإنتاج آيفون القابل للطي.. صفقة بملايين الدولارات تكشف أسرار الصراع التكنولوجي
إتفاق حصري لمدة 3 سنوات وتكلفة تُقدّر بنحو 250 دولارًا للشاشة الواحدة.. كيف تحولت المنافسة بين عملاقي الهواتف الذكية إلى شراكة إقتصادية تحقق مكاسب للطرفين؟

كتب حاتم محمد
تحالف غير متوقع خلف الشاشات
«أبل تدفع لسامسونج ثمن آيفونها القابل للطي.. عندما تتحول المنافسة إلى صفقة رابحة»
في عالم التكنولوجيا، لا تعني المنافسة الشرسة بالضرورة القطيعة بين الشركات الكبرى؛ فخلف المعارك التسويقية والتنافس على حصص الأسواق، تفرض المصالح الاقتصادية والتفوق التقني قواعد مختلفة تحكم العلاقات بين عمالقة الصناعة.
وتجسد العلاقة بين شركتي أبل الأمريكية وسامسونج الكورية الجنوبية هذه المعادلة بوضوح، بعدما اتجهت أبل إلى الاعتماد على قطاع الشاشات في سامسونج لتوفير الشاشات المرنة لهاتفها القابل للطي «آيفون ديو» (iPhone Duo)، في خطوة تكشف عن أهمية سلاسل التوريد المتخصصة في صناعة الهواتف الذكية، حتى عندما يتعلق الأمر بمنافس مباشر.
اتفاق حصري وتكلفة مرتفعة للشاشة
وبحسب تقارير تقنية نُشرت في عام 2026، من بينها تقارير لموقعي «ماك رومرز» و«9to5Mac»، أبرمت شركة «سامسونج ديسبلاي» اتفاقًا حصريًا يمتد لثلاث سنوات لتوريد الشاشات القابلة للطي إلى أبل، تشمل الهاتف الجديد والطرازات اللاحقة المشمولة بالاتفاق.
وتشير تسريبات منسوبة إلى مصادر متخصصة في متابعة سلسلة التوريد إلى أن تكلفة لوحة الشاشة الداخلية الواحدة قد تصل إلى نحو 250 دولارًا، وهو رقم يجعلها من المكونات مرتفعة التكلفة في الجهاز، وإن كانت القيمة المتداولة لا تمثل بالضرورة صافي ربح سامسونج؛ إذ لا تتوافر بيانات معلنة تحدد تكاليف التصنيع والاختبار وهوامش الربح الفعلية.
وتعكس هذه الصفقة، إذا صحت تفاصيلها المالية المتداولة، الأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها الشاشات المرنة في الجيل الجديد من الهواتف الذكية، فضلًا عن القيمة التنافسية التي يمكن أن تحققها الشركات المتخصصة في تصنيع المكونات المتقدمة.
لماذا اختارت أبل منافستها سامسونج؟
لم يكن اختيار سامسونج مجرد تفصيل في عملية التصنيع، بل يرتبط بخبرتها المتراكمة في تطوير الشاشات المرنة وإنتاجها على نطاق تجاري، إلى جانب قدرتها على توفير تقنيات العرض التي تتطلبها الأجهزة القابلة للطي.
فقد راكمت الشركة الكورية خبرة واسعة من خلال تطوير شاشات هواتفها القابلة للطي، ولا سيما سلسلة «جالاكسي زد فولد» (Galaxy Z Fold)، ما عزز موقعها بين أبرز الشركات العاملة في هذا المجال.
وفي المقابل، تحتاج أبل إلى شاشات تجمع بين جودة العرض والمتانة والقدرة على تحمل عمليات الفتح والإغلاق المتكررة، مع الحد من ظهور التجعد في منطقة الطي، وهي تحديات تقنية أساسية في تصميم الهواتف القابلة للطي.
وتشير التقارير المتخصصة إلى أن تقنيات الشاشات الجديدة تستهدف تقليل وضوح أثر الطي وتحسين كفاءة العرض، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء التجعد تمامًا، كما أن التفاصيل الفنية الكاملة للشاشة المستخدمة في الهاتف تظل مرتبطة بالمواصفات المعلنة رسميًا.
آيفون ديو.. شاشة أكبر وتصميم قابل للطي
أعلنت أبل رسميًا عن هاتف «آيفون ديو» في 9 سبتمبر 2026، ليكون أول هاتف آيفون قابل للطي في تاريخ الشركة، وفقًا لبيانها المنشور على موقعها الرسمي.
ويأتي الهاتف بشاشة داخلية مقاسها 7.6 بوصة، إلى جانب شاشة خارجية مقاسها 5.4 بوصة، بما يتيح للمستخدم الانتقال بين تصميم الهاتف التقليدي وتجربة شاشة أكبر تناسب مشاهدة المحتوى والألعاب وتعدد المهام.
ويعتمد الجهاز على معالج «A20 Pro»، كما تتضمن شاشته الداخلية طبقة ذات ملمس نانوي تهدف إلى تقليل الانعكاسات والحد من وضوح أثر الطي. وتؤكد هذه المواصفات توجه أبل إلى تقديم تجربة مختلفة في فئة الهواتف القابلة للطي، مع التركيز على دمج التصميم والأداء والبرمجيات.
وتختلف هذه المواصفات الرسمية عن بعض التفاصيل التي تداولتها التسريبات السابقة؛ إذ أشارت تقديرات أولية إلى شاشة خارجية بقياس 5.5 بوصة، بينما حددت أبل المقاس الرسمي عند 5.4 بوصة. لذلك تظل البيانات الصادرة عن الشركة المرجع الأساسي عند تناول المواصفات الفنية للجهاز.
سامسونج تربح من المنافسة.. ولكن كيف؟
تكمن المفارقة الاقتصادية في أن سامسونج لا تعتمد فقط على مبيعات هواتف «جالاكسي» لتحقيق عوائدها، بل تستفيد أيضًا من نشاطها في تصنيع المكونات التي تحتاج إليها شركات منافسة، وفي مقدمتها أبل.
ويُعرف هذا النموذج في عالم الأعمال بمصطلح «التعاون التنافسي» (Coopetition)، وهو قيام شركتين بالمنافسة في سوق معينة، مع التعاون في مجالات أخرى تحقق لكل منهما مصلحة اقتصادية أو تقنية.
وبموجب هذا النموذج، تستفيد أبل من خبرة سامسونج في تصنيع الشاشات المرنة، بينما تحصل سامسونج ديسبلاي على إيرادات من توريد أحد المكونات الرئيسية لهاتف منافس. ومع ذلك، فإن حجم المكاسب الفعلية لكل طرف يتوقف على تكاليف الإنتاج وشروط التعاقد وحجم المبيعات، ولا يمكن الجزم بأن سامسونج تحقق صافي أرباح محددة من كل هاتف دون بيانات مالية موثقة.
سلاسل التوريد تحكم معادلة الصراع التكنولوجي
تكشف العلاقة بين أبل وسامسونج عن حقيقة مهمة في صناعة التكنولوجيا الحديثة، وهي أن التفوق لا يعتمد فقط على العلامة التجارية أو المنتج النهائي، بل يمتد إلى امتلاك التقنيات المتقدمة والقدرة على تصنيع المكونات التي يصعب توفيرها بالجودة والكميات المطلوبة.
فأبل تسعى إلى دخول سوق الهواتف القابلة للطي بمنتج يحمل هويتها الخاصة، بينما تستطيع سامسونج تعزيز موقعها في سوق الشاشات المتطورة من خلال توريد تقنياتها إلى شركات أخرى، حتى لو كانت تنافسها في سوق الأجهزة.
وفي النهاية، لا تلغي هذه الشراكة التنافس بين الشركتين، لكنها توضح أن المنافسة في قطاع التكنولوجيا أكثر تعقيدًا من مجرد صراع بين علامتين تجاريتين؛ إذ يمكن للشركتين أن تتنافَسا أمام المستهلك، وأن تتعاونا في الوقت نفسه داخل المصانع وسلاسل الإمداد، حيث تحكم الجودة والتكلفة والقدرة الإنتاجية جانبًا كبيرًا من القرارات الاستراتيجية.



